خلافة من ورق – الحلقة الأولى –

سلسلة تسرُد يوميَّاتٍ دوَّنها صحافي عايش أيَّام تنظيم داعش، وتعرَّض للاعتقال على إثر نشاطه، سنقدِّمها لكم ضمن منصَّة مساحة على حلقاتٍ متتالية.
تتضمَّن السلسلة، شهاداتٍ للصحافي وثّقها عن حياة التنظيم والصراعات الداخلية فيما بين المنتسبين إليه، بالإضافة إلى الصراعات والفروقات الطبقية بين أعضاء التنظيم نفسه، وتتضمَّن أيضاً حديثاً واسعاً عن حالة العامَّة من الناس تحت سيطرة تنظيم داعش.
تمهيد:
في منتصف العام 2014 سيطر تنظيم داعش على السَّواد الأعظم من محافظة دير الزور، وكانت عملية السيطرة تلك صعبةً للغاية، حيث قام التنظيم بشنّ حملاتٍ ثلاث مع بداية العام 2014، ورغم أنَّها كانت حملات ضخمة، سوى أنَّها باءت بالفشل، ولكن ما ساهم في تغيير مسار الأحداث كليَّاً هو سقوط الموصل في العراق، حيث سيطر داعش على عتاد الجيش العراقي والملايينَ من أموالِ مؤسساتٍ حكومية، وحشَد كل قواه نحو دير الزور وتهاوت فصائل المعارضة والإسلاميين ومقاتلي العشائر أمام حشوده العسكريَّة، ناهيكَ عن عواملَ أخرى ساهمت في سقوط المدينة.
أيامٌ قليلة عَقِبَ ذلك، حصلت مجزرة عشيرة (الشعيطات) الشهيرة على يد عناصر داعش، واشتهرت قصَّة الخلاف بين التنظيم والشعيطات -التي سنأتي على ذكرها عبر هذه السلسلة- ومن ثمَّ تلتها عمليَّاتُ إعدامٍ بالعشرات طالَت معارضين لداعش، ومع حلول العام 2015 حصلت هجرة جماعية لأغلب سكان المنطقة الشرقية نتيجة تلك الممارسات.
– تنظيم داعش وعشيرة الشعيطات:[1]
في مطلع العام 2014 اجتاح داعش محافظة دير الزور وتمكَّن من بسط نفوذه على أغلب مدن المحافظة، وأتى ذلك بعد معارك ضارية جرت مع فصائل الجيش الحر وباقي الفصائل الإسلامية، وحين وصل داعش إلى تخوم مناطق تواجدْ أبناء الشعيطات، وهي بلدات “الكشكية وغرانيج وأبو حمام” -التي كان تعداد سكانها ما يقارب الـ 150 ألف نسمة- دخل وفقاً لـ(مصالحةٍ) بداية الأمر على إثر خشيته من الاصطدام بعشيرةٍ ضخمة التعداد كالشعيطات، وبالفعل أسَّسَ داعش مقرَّاتٍ تتبعه في البلدات التي يتواجد فيها أبناء العشيرة، سوى أنَّ عقلية داعش أبَت إلا أن تطغى، محاولاً فرض نفسه بالقوة على الشعيطات، وانقدحت الشرارة الأولى حين عمدَ عناصر مغاربة[2] إلى قتل شاب من الشعيطات في منزله نتيجة ملاسنة كلامية بينه وبين عناصر تابعين لداعش، ليقوم جار الشاب المقتول بالاعتراض والاحتجاج على هذه الفعلة، ليتمَّ اقتياد الجار إلى منطقة السوق المعروف بـ(سوق القهاوي) في بلدة أبو حمام وإعدامه ذبحاً بالسكين على المَلأ، الأمر الذي أجَّج غضب النَّاس، وثارت الشعيطات على داعش جرَّاء الذبح الذي ارتُكِب، وسميت ثورة الغضب تلك بـ (هبَّة الشعيطات) حيث قام أبناء العشيرة المذكورة بحرق مقرات داعش ومن ثمَّ طردهم خارج المنطقة، لكن في المقابل كان رد التنظيم جنونيَّاً وغير متوقَّعاً، حيث عمد إلى جلب كتيبة اشتُهرت آنذاك باسم كتيبة (البتَّار) المغاربيَّة المكوَّنة من عناصر قادمين من ليبيا وتونس والجزائر والمغرب، والتي كانت تُعتَبر من قوات النخبة لدى داعش، وقامت الكتيبة بنصب المدافع وراجمات الصواريخ، وتطويق الكشكية وغرانيج وأبو حمام، ليبدأ مسلسل القصف العشوائي الذي أدَّى إلى مقتل العشرات من المدنيين من نساءٍ وأطفالٍ وشيوخٍ بدون مراعاة، وهنا لم يعد أمام أبناء الشعيطات إلا الدفاع عن أنفسهم وأرضهم أمام هجمة داعش الشرسة، فاندلعت معارك دامت ثلاثة أسابيع متتالية، ليتمكن بعدها أبناء الشعيطات من إبادة (كتيبة البتَّار) وقتل العشرات من عناصرها، ليُجبَر داعش آنذاك على جلب 10 آلاف عنصر جديد من مناطقه في العراق، ولا سيَّما من منطقة الأنبار، سوى أنَّ نفاذ ذخيرة أبناء الشعيطات وخذلان باقي العشائر لهم، والتي لم تفعل أيَّ شيءٍ إزاء الشعيطات، أي تُرِكوا لوحدهم يواجهون مصيرهم، فقام أغلب مقاتلي الشعيطات بالانسحاب نحو القلمون الشرقي ولم يتبقَّ في الداخل إلا المدنيين ظناً منهم أن داعش لن يؤذيهم، ليجتاح الأخير المنطقة و يرتكب فيها أبشع الجرائم، حيث تمَّ قتل كل من وجدوه بعد فتوى من الأمير لدى التنظيم والمدعو (أبو عبدالله الكويتي)، الأخير الذي أفتى بقتل كل من بلغ الحُلُم من أبناء الشعيطات، وأن تُسلَب أموالهم و يهجَّروا من أرضهم، وبالفعل كانت نتيجة هذه المجرزة إن كان هناك حوالي 1000 قتيل من أطفال دون سن الرابعة عشر ومن شيوخ ونساء، وتمتلئ ساحات بلدات الكشكية وأبو حمام و غرانيج بعشرات الجثث.
كانت تلك الجثث مرميَّةً على أرصفة الطرق، وملقاةٍ في سواقي المياه ومساحات البادية الواسعة، ولم يقف الأمر عند ذلك فحسب، بل لوِحِقَ كل من ينتسب أو ينتمي للعشيرة، وطاردوهم ليصبح القتل بناءً على البطاقة الشخصيَّة.
كانت تلك الجثث مرميَّةً على أرصفة الطرق، وملقاةٍ في سواقي المياه ومساحات البادية الواسعة، ولم يقف الأمر عند ذلك فحسب، بل لوِحِقَ كل من ينتسب أو ينتمي للعشيرة، وطاردوهم ليصبح القتل بناءً على البطاقة الشخصيَّة، حيث عمدت حواجز داعش إلى اعتقال كل شخص “شعيطي”، ففي الميادين تم اعتقال أكثر من 100 شخص، أُعدِمَ منهم 70 في باديتها، وتمَّ في الشعفة إعدام حوالي 75 شخصاً، بينما تمّ إعدام 150 شخص في ناحية هجين، وفي العشارة 170 شخصاً، و في حقل العمر الذي لا يبعُد عن مناطق الشعيطات سوى 20 كم، تمَّ اعتقال 500 شخص كان البعض منهم موظفين بحقل العمر، أُعدم منهم 300 فيما اختفى الباقي لدى داعش ومايزال مصيرهم مجهولاً ليومنا هذا.[3]
بعد هذه المجازر هُجِّر أهالي الشعيطات مدة عامٍ كامل، وتمَّ نهب وسرقة ممتلكاتهم التي قُدِّرت قيمتها بما يعادل حوالي 500 مليون دولار أميركي حسبما قاله الدكتور علي العلاو أحد وجهاء العشيرة، فيما قُدِّرت أعداد ضحايا مجزرة الشعيطات بأكثر من 200 شخص، كان أكثر من 150 منهم دون سن الرابعة عشر، لتدفع بذلك عشيرة الشعيطات ثمن وقوفها في وجه داعش غالياً، لكن وفي الوقت نفسه قُدِّرت أعداد قتلى داعش على يد مقاتلي الشعيطات في معارك الأسابيع الثلاثة بأكثر من 1000 قتيل، يضاف إلى العدد المذكور المئات من عناصر داعش ممن قُتلوا على يد أبناء الشعيطات الذين تفرَّقوا بعد المجزرة، حيث انضمّ قسمٌ منهم لجبهة النصرة، فيما انضمّ قسمٌ آخر إلى قوات الحكومة السوريَّة، وقسمٌ آخر للجيش الحر، أما القسم الأكبر فهو الذي انضم لقوات سوريا الديمقراطية وعاد تحت راية قوات النخبة وقسد لاحقاً، ليساهم في طرد التنظيم من مناطقه أواخر عام 2017، وفي آذار/مارس 2019 تم الانتهاء من مخيم الباغوز الذي اعتُبَرَ آخر معاقل تنظيم داعش في سوريا والعراق.
بعد هذه المجازر هُجِّر أهالي الشعيطات مدة عامٍ كامل، وتمَّ نهب وسرقة ممتلكاتهم التي قُدِّرت قيمتها بما يعادل حوالي 500 مليون دولار أميركي.
الحدث كما جرى[4]
“بداية الصدام الأول بين عناصر داعش وأفراد الشعيطات في دير الزور، كانَ بعد الاتفاق المُبرَم آنذاك بين فصائل الجيش الحر التي كانت تقاتل داعش وبين داعش نفسه، وكان الاتفاق ينصّ على أن يقوم أفراد فصائل الجيش الحر بتسليم أسلحتهم لداعش، مقابل خروجهم من المنطقة برمّتها، وبالطبع نصَّ الاتفاق آنذاك ألّا يقوم داعش بإدخال مقرَّاتٍ عسكرية تابعة له إلى داخل قرى وبلدات الشعيطات، وهي المناطق التالية: أبو حمام، الكشكية، الغرانيج، وفعلاً قام الجيش الحر بتنفيذ الاتفاق وسلَّموا عتادهم العسكري وخرج جميع المقاتلين نحو القلمون الشرقي.
قام داعش بدايةً بجعل بلدية الكشكيَّة مقرَّاً له، وكان ذلك قبل شهر رمضان بخمسة أيَّام، وفي اليوم الخامس عشر من شهر رمضان، بدأ عناصر داعش بالاحتكاك بالأهالي، حيث بدأوا التضييق عليهم، على سبيل المثال: أنت شاب تمشي في الشارع وتدخّن، أو لِمَ إزاركَ طويل ولا تقوم بتقصيره؟ كما وعمدوا إلى جَلد بعض الشبَّان، وبالطبع إلى الآن لم تكن هناك أي ردَّة فعل من أبناء الشعيطات نهائيَّاً، لكن وفي اليوم الأخير من عيد الفطر، قام عناصر من داعش بالدخول، نحو الساعة السابعة والثامنة صباحاً، إلى أحد المنازل في قرية أبو حمام، وعمدوا إلى ذبح صاحب المنزل، وأمام أبصار زوجته وأبنائه، وكان الذبح بناءً على انتقاماتٍ شخصيَّة، وبعد أن فعلوا ذلك هرعت الزوجة إلى الشارع طالبةً النجدة، وهنا خرج الشباب في وجه عناصر داعش وقاوموا بناءً على استنجاد امرأةٍ بهم، واتجه الشباب على الفور نحو مقرّ عناصر داعش الواقع في بلدة الكشكيَّة، وأسروا عدداً منهم، وكان أغلبهم من العناصر المهاجرين، أي ليسوا سوريين، وليسوا عرباً حتَّى، وقُتل حينها من داعش بين ثلاث أو أربع عناصر، وفي الوقت ذاته عمدَ الأهالي إلى حرق المقرّ، وكردَّة فعلٍ، قام داعش باعتقال حوالي 52 شابَّاً من أبناء الشعيطات ممَّن يعملون في حقول النفط مع داعش نفسه، وجرَت مفاوضات بعد يومين حول تبادل الأسرى، وبعد اليوم الثالث من هذا الاتفاق قام داعش بالفعل بتسليم 52 معتقلاً، لكن كيف تمّ تسليمهم؟ تمّ عبر إصدارٍ مرئي أنتجه داعش على منصَّات التواصل الاجتماعي وهم مقطوعي الرأس، حيث حُكِم عليهم بالإعدام، ومن هنا انطلقت الشرارة، وكردَّة فعل من الشعيطات قاموا بذبح أسرى داعش الذين يحتفظون بهم، وهذا يعتبر بداية الصِدام الأوَّل بين الطرفين.
سلسلة تسرُد يوميَّاتٍ دوَّنها صحافي عايش أيَّام تنظيم داعش، وتعرَّض للاعتقال على إثر نشاطه، سنقدِّمها لكم ضمن منصَّة مساحة على حلقاتٍ متتالية.
خسرت الشعيطات في المعركة التي استمرّت من 15 إلى 17 يوماً حوالي 9 أشخاص، والعدد الإجمالي تجاوز الـ 1000 شخص، وهؤلاء قُتلوا بعد أن منحَ داعشُ الأمانَ، أي أنَّ الأهالي الذين لا علاقة لهم لا بدَّ أن يخرجوا إلى خارج منطقة الشعيطات، وعمدَ فعلاً إلى فسح الطريق من الغرانيج مروراً بالبحرة وصولاً إلى أواخر الريف الشرقي، الباغوز والشعفة وهجين وغيرها، ومن ثم بعدها عمد داعش إلى تنفيذ حملات اعتقال عشوائيَّة، وهي اعتقالات نُفِّذت بعد أن مُنِحَ الأهالي الأمان، وبدأ العناصر يداهمون المنازل ويعتقلون أي شخصٍ كان لا على التعيين، ووفقاً لبطاقته الشخصيَّة وتولُّده، فمن يُقرأ على بطاقته الشخصية: الكشكيَّة أو الغرانيج أو أبو حمام، يتم اعتقاله وإعدامه بشكلٍ مباشر، أو ذبحه بسكينٍ دونَ أيّ محاكمة أو توجيه تهمة، وبالطبع التهمة موجودة، وهي مقاتَلة الدولة الإسلاميَّة، ومقاتَلة الله ورسول الله، وأن هذه العشيرة تعتبر مرتدَّة.
الخسائر الماديَّة حقيقةً لا تُحصى ولا تُعَدّ، فإن تحدثنا عن محالٍّ تجاريَّة، هناك مواد غذائية سُرقت بالكامل، وإن تحدّثنا عن المنازل فثمة أثاث وذهب تمّ السطو عليها بالكامل، وإن تحدَّثنا عن المواشي فقد سُرقَت بالكامل أيضاً، حقيقةً أرقام خسائر المسروقات الماديَّة لا يمكن إحصائها.
نظَّمت الشعيطات صفوفها في مواجهة داعش بدون أيّ ترتيبٍ أو تنسيقٍ مُسبَق، فكما ذكرنا آنفاً، خرج أبناء الشعيطات ضد داعش نجدةً للمرأة. حتى أثناء المعركة، فإن المقاتلين الأساسيين الذين كانوا يقاتلون داعش لم يمتلكوا أسلحةً ثقيلة لعدم توفرها في المنطقة، فكما قلنا بأن عناصر الجيش الحر كانوا قد سلّموا اسلحتهم الثقيلة وتوجّهوا نحو القلمون الشرقي بموجب اتفاقيَّة مع داعش.
تهجير العشيرة:
بعد استمرار المعركة، قام داعش بمنح الأمان والوعود، مثل وعودها بأن أي شخص أو أي عائلة لا تمت بصلة للقتال أو المقاتلين سوف يخرجون بأمان، وفي الحقيقة خرج ناسٌ كُثُر وبملابسهم فقط، حتَّى أنهم تركوا كل أثاثاتهم ومتاعهم من منازلهم، وبعدها صار حكم الجميع حكماً واحداً، المقاتلين وغيرهم، حيث حُكِموا بالردَّة، لذا لاذَ أغلبهم بالفرار وتوجّهوا إلى مناطق مختلفة، حيث توجّه قسمٌ نحو مناطق سيطرة النظام السوري، فيما توجّه آخرٌ نحو إدلب، وانضم آخرون إلى القلمون الشرقي، وآخرون نحو تركيا، أي لم يتبقّ أحد في المنطقة سوى قلَّة قليلة من الشبَّان من أبناء الشعيطات، وهذه الهجرة كانت على خلفية قيام داعش بقتل أي شخص بشكلٍ مباشر وفقاً لبطاقته الشخصيَّة وتولُّده في مناطق الكشكية أو الغرانيج.
في بداية الحملة العسكرية ضدَّ داعش، أي بدايات العام 2017 نظّم أبناء الشعيطات أنفسهم وانتسب الكثير منهم إلى قوات سوريا الديمقراطية وشاركوا في الحملة العسكرية لتحرير مدينة دير الزور، وهذا الأمر كان بعد أربع سنوات من التهجير والمجازر المروعة التي ارتكبها داعش في حق أبناء الشعيطات”.
في السلسة القادمة تقرؤون:
التيارات المتصارعة داخل تنظيم داعش، والخلافات التي كانت تظهر بينهم.
الهوامش:
[1] يبلغ عدد عشيرة الشعيطات السنيَّة 200 الف شخص تقريباً، وهم من فروع العقيدات أو العكيدات، وانتسب أغلب شبابها للجيش الحر، العشيرة لم ترضخ لتنظيم داعش في البداية، حيث كان يريد فرض سطوته أولاً ومن ثم السيطرة على النفط ثانياً حيث يقع حقل التنك النفطي في بادية العشيطات والذي يعتبر ثاني أكبر حقول النفط بعد حقل العمر. (الكاتب).
[2] المصطلح يدل على عناصر تنظيم داعش الوافدين من دول المغرب العربي.
[3] الإحصائية أعلاه وفقاً لما قاله الدكتور علي العلاو أحد وجهاء عشيرة الشعيطات، وحسب شهادات ناشطين. (الكاتب).
[4] شهادة لأحد أبناء الشعيطات.
**تعبَّر الآراء الواردة عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي مَساحة**