رسوم روائية للإرهاب المتدرّع بالدين

عادت طالبان إلى سدّة العرش في أفغانستان، وخرجَ الأمريكيّون في هزيمةٍ لا يغطّي غربالها التعلل بألف علّة وعلّة. وإذا كانت هذه العودة الطالبانية ستجدُ لها حضورًا ما في الرواية العربية -بالطبع وغير العربية- في أمدٍ قد لا يطول، فقد كان لها (طالبان) هذا الحضور الروائي قبل عشرين سنة ونيف. ومن ذلك ما كتبه خليل صويلح في روايته “ورّاق الحب” التي صدرت عام 2002، ابتداءً بمرور الراوي إلى مكتبة ميسلون الدمشقية الشهيرة التي أغلقت منذ سنوات، لتلحق بها في أمسٍ قريب مكتبات الزهراء واليقظة ونوبل في مسلسل الخراب الروحي والإدقاع الثقافي الذي عَصَفَ بسوريا في سنوات الزلزلة العشر المنصرمة.

يجدُ راوي “ورّاق الحب” بعض الكتب الجديدة عن الحرب في أفغانستان ونجمها أسامة بن لادن، إذ يرى أن الحرب التي شنّتها أمريكا ضدَّ الشعب الأفغاني “البائس والجائع” هي حرب قذرة تسعى أمريكا بها إلى استباحة العالم. وحين يعبرُ الراوي أمام مكتبة اليقظة يرى أن من بين ما يملأ واجهتها البلورية بعض الكتب الجديدة عن حرب أفغانستان، وعليها صور أسامة بن لادن بلحيته السوداء الطويلة وجلبابه الشهير، فيتذكر ما قرأه في تقرير صحفي عن المجزرة الكبرى التي اقترفتها طالبان حين أحرقت في الثاني عشر من آب/أغسطس من العام 1998 المكتبة الوطنية في العاصمة كابول، إذ نسفت حينها أجنحة المكتبة بقذائف الأربي جي، فأعدمت 55000 مجلد، منها ما هو نادر. ومن المعروف أنه كان قد سبق هذه المجزرة/المحرقة تدمير آثار العصور القديمة في كابول: من ينسى تفجير التماثيل البوذية بالديناميت؟

ليست طالبان وما يتصل بها أفغانيًا وعربيًا وإسلاميًا غير صفحة واحدة من صفحات كتاب الإرهاب المتدرّع بالإسلام بخاصة، وبالدين بعامة.

 

كما تظهرُ “طالبان” في رواية فواز حداد “مرسال الغرام” التي صدرت عام 2004، حيث الحديث عن الجماعات الإسلامية المتشددة، والسخرية من المجاهدين الذين يروّعون النساء بالحجاب والزواج، فتراهم يرفعون القرآن بيد والبندقية أو الساطور أو السكين أو الفأس بيد، في إشارة إلى وحشيتهم وبدائيتهم. ومن شخصيات هذه الرواية من كان شيوعيًا، واعتُقِل عشر سنوات، واضطر إلى قطع دراسته الجامعية والفرار من البلاد. لكنه التحق بمعسكر تدريبي في قاعدة سريّة للمجاهدين، ثم اختفى في أفغانستان. وبعد حين ظهرت له صورةٌ خاطفة في قناة تلفزيونية بعمامته ولحيته إلى جوار مدفع. وهكذا انقلب من شيوعي إلى واحدٍ من العرب الطالبانيين الذين يحاربون الروس والصليبية الأوربية وأمريكا والصهيونية واليهودية والأنظمة العربية العميلة والحكومات الإسلامية الضالّة والعالم كله: يا للهول!

ليس إحراق الكتب وقفًا على طالبان. فرواية التونسي عبد الجبار العش “وقائع المدينة الغريبة”، التي صدرت عام 2001، تتخيّل قيام الجبهة الدينية في المدينة الغريبة بانقلابٍ عسكري. وإثر الاستيلاء على السلطة تقيم مهرجانًا لتكسير زجاجات الخمر وإزالة التماثيل (الأنصاب)، ثم يشرع عناصرها بحرق الكتب. ليست طالبان وما يتصل بها أفغانيًا وعربيًا وإسلاميًا غير صفحة واحدة من صفحات كتاب الإرهاب المتدرّع بالإسلام بخاصة، وبالدين بعامة.

وفي سوريا، ثمة بدايات مبكّرة أشهرها اغتيال المفكّر والطبيب والسياسي عبد الرحمن شهبندر (1879-1940) على يد ثلاثة ممن غرّر بهم الشيوخ كما غرّروا بمن طعن نجيب محفوظ في عنقه. وقد أفردتُ لاغتيال الشهبندر صفحات من الجزء الرابع “الشقائق-1993” من روايتي “مدارات الشرق”.

ويمثِّل الصراع المسلّح بين السلطة والتيار الإسلامي المتطرّف، الفصل الأعنف قبل زلزال 2011 في سوريا، وهو ما عاد إليه فواز حداد في رواية “السوريون الأعداء”. كما يتصل بكتاب الإرهاب المتدرّع بالإسلام ما صوّرته حسيبة عبد الرحمن التي قضت سنوات في السجن كشيوعية، وذلك في روايتها “الشرنقة” التي صدرت عام 1999، حيث جمع السجن بين السجينات السياسيات على ذمة الإخوان المسلمين وعلى ذمة الشيوعية وسواها من التيارات المعارضة، وهذا كلّه ما كان سداة ولُحمة روايتي “سمر الليالي” التي صدرت عام 2000.

من السجينات الإسلاميات تقدِّم “الشرنقة” “نهيدة” التي تؤم زميلاتها في الصلاة. كان زوجها الضابط هو من نظَّم وقادَ قتل المئات من الطلاب الضباط بدعوى الطائفية، وهذا ما عُرِف بمجزرة مدرسة المدفعية في حلب (16/6/1979)، والتي نظَّمها وقادها إبراهيم اليوسف الذي لم تسمِّه الرواية. ومن السجينات أيضًا “آلاء” التي كانت ماركسيةً وسافرةً وتنتمي إلى أسرة ثرية، لكنها أحبَّت أصوليًا، واشترت له بيتًا في دمشق، ثم قُتِل واعتُقِلت هي، وفقدت والديها في صراع مدينتها مع السلطة، ولا يخفى أن المقصود هنا هو مدينة حماة. ومثل رواية “الشرنقة”، تعود رواية “باب الحيرة” لأنيسة عبّود، والصادرة عام 2002، إلى مجزرة مدرسة المدفعية، حيث قضى الملازم وائل خطيب زينب، إحدى الشخصيات المحورية في الرواية. ويُشار في هذا السياق إلى رواية خالد خليفة “مديح الكراهية” الصادرة عام 2006، والتي تبأرتْ في مدينة حلب، وإلى رواية “كما ينبغي لنهر” لمنهل السراج، والتي تبأرت في مدينة الكاتبة حماة. وقد تواصل حضور الإرهاب المتدرّع بالدين في الرواية السورية بعد زلزال 2011. ومن أبرز الروايات تأتي رواية عبدالله مكسور “عائد إلى حلب” التي صدرت عام 2013، والتي تذهب بعيدًا في تصوير عالم الجهاديين العنيفين من داخله. ومن بؤر رواية محمود حسن الجاسم “نزوح مريم” الصادرة عام 2015، بؤرة الرقة إبّان سيطرة السلاح المتأسلم المتطرّف عليها باسم جبهة النصرة ومن ثمّ باسم داعش والخلافة. أما رواية سومر شحادة “حقول الذرة” الصادرة عام 2016، فقد عوّمت فضاءها مثلما فعلت رواية “الشرنقة”، لكن إشارتها إلى اللاذقية كافية ووافية، وبخاصة إلى ريف اللاذقية حيث كان للتطرّف الديني صولة وجولة. وعن سوار دمشق حيث سيطر المسلحون الإسلاميون، جاءت رواية جهينة العوام “تحت سرة القمر” التي صدرت عام 2014، وهي الرواية التي حوّلها المخرج غسان شميط إلى فيلم سينمائي حَمَلَ عنوان “ليليت السورية”.

يمثِّل الصراع المسلّح بين السلطة والتيار الإسلامي المتطرّف، الفصل الأعنف قبل زلزال 2011 في سوريا، وهو ما عاد إليه فواز حداد في رواية “السوريون الأعداء”.

من قرية “الطيبة” في غوطة دمشق، تبدأ رواية جهينة العوام وتمضي إلى حي جرمانا ذي الأغلبية الدرزية في أطراف دمشق. ومن هذا الغمر الروائي تميّزت رواية شهلا العجيلي “صيف مع العدو” الصادرة عام 2018، والتي تعلّقت بمدينة الكاتبة (الرقة). وكذلك كانت رواية خالد خليفة “الموت عمل شاق” الصادرة عام 2016، والتي صوّرت بفرادة عبور تابوت الأب في حواجز الجيش ثم في حواجز المسلّحين شمال حلب. وقد صوّرت أسماء معيكل في روايتها “الجحش السوري” الصادرة عام 2021، مثل هذه السيرورة. وربما كانت المأساة الإيزيدية على يد الإرهاب الداعشي المتجلبب زورًا وبهتانًا بالإسلام، من أكبر المآسي التي صوّرتها الرواية، وبخاصة على يد الكتّاب الكرد السوريين، ومنها رواية سليم بركات “سبايا سنجار” الصادرة عام 2016، ورواية إبراهيم اليوسف “شنكالنامة” الصادرة عام 2019.