كرهت الرياضة

 

 

أسبوعٌ واحد فقط ما بين اختطافه وقطع رأسه، أمٌّ ماتت قهراً على ابنها، وأخٌ يعيش ذكريات أليمة، لاعبون في فريق كرة قدم قُطعت رؤوسهم ودُفنت الجثث في مكان مجهول حتى الآن، الكثير من الرؤوس قُطعت في شهر رمضان.

اختطاف الضحية

إنه شهر رمضان، يبيع سامي العشريني وأخوه صالح السّوس والتمر الهندي، وكلاهما لاعبا كرة قدم وحرّاس مرمى نادي الشباب في الرقة. في 29 رمضان وتحديداً يوم الجمعة، اختطفت دورية ملثّمة تابعة لداعش سامي و 6 من رفاقه من النادي، واقتادتهم لمكانٍ مجهول، يقول محمود: “محاولاتنا في الوصول لمكانهم باءَت بالفشل، لم نستطع أن نعرف إلى أين أخذهم داعش وأين سجنهم”.

أسبوع واحد فقط هي المدة الزمنية ما بين اختطافهم وقطع رؤوس جميع اللاعبين. وُجِّهت لهم تهم كثيرة، منها التعامل مع التحالف الدولي. بينما كان محمود في العمل اتصل به أحد أصدقائه ليخبره بنبأ قطع رأس أخيه ورفاقه عند سوق الخضرة بالقرب من دوار الدلّة (دوار في مركز مدينة الرقة ينفّذ فيه داعش عمليات الإعدام)، سارع محمود بالذهاب لساحة الإعدام لكنّه لم يجد أية جثة، كان داعش قد أخذ كلّ الجثث لمكان مجهول، شاهد محمود فقط الدماء وهي تسيل على الأرض وأسماء اللاعبين الذين قُطعت رؤوسهم معلقة على أحد الجدران في الشارع.

خيمة عزاء

ذهب محمود لمقرات داعش في الرقة محاولاً جلب جثة أخيه سامي، طلبه قوبل بالتهديد وعدم عودته للمقرّ مرة أخرى، حاول بعدها محمود أن يعرف مكان دفن الجثة، وهنا توصّل لشخص ضمن داعش، أخبر محمود بأن يأتي اليوم الثاني ليلاً كي يدلّه على مكان الجثة، استيقظ محمود صباح اليوم التالي ليتفاجأ بأن ذلك الشخص أيضاً قطع رأسه من قبل داعش وعُلقت جثته في نفس مكان إعدام اللاعبين، بعدها فَقَد محمود الأمل في الوصول لجثة سامي، فقرر نصب خيمة عزاء لأخيه، إلا أن داعش لم يسمح للعائلة بنصب الخيمة أيضاً، يقول محمود: “عدا منع نصب خيمة العزاء كان الحي كاملاً مطوَّقاً بعناصر ملثّمة من داعش وكل من يزورنا ويقدم لنا واجب العزاء يتعرض للاعتقال”.

سامي متزوج وقبل إعدامه بيومين رُزق بطفل، لكن داعش رسم لهذا الطفل أن يكبر بلا أب، عجلة المصائب أيضاً لم تتوقف، ماتت أم سامي قهراً على ولدها، واختطف الأخ الأصغر لسامي، وكان قاصراً، مدة تسعة أشهر، خرج من سجون داعش بمرض نفسي، يقول محمود: “عندما خرج أخي الصغير من السجن كان يكفّرنا ويوجه لنا تهماً كثيرة، اضطررنا أن نبقى بجانبه ونسهر طوال الليل بالتناوب مع بقية إخوتي كي لا يقدم على قتل أحد أفراد العائلة، استمر هذا الحال لأشهر حتى تعافى أخي”.

صالح أخ ومدرب لسامي

صالح يكبر سامي بسنتين، درّبه على حراسة المرمى وكان مدرّبه وبمثابة أب له، يسافر معه أينما ذهب فريقه، أثناء اختطاف سامي كان برفقته، لكن صالح لم يرَ سامي بعدها، بسبب تقرير كيدي لصالح داعش قُطع رأس سبعة لاعبين على مرأى الناس جميعاً وفي ساحة عامة، جميعهم كانوا أصدقاء صالح وفي نفس النادي.

يقول صالح: “كيف لك أن تنسى شخصاً ترعاه كطفلك طوال حياتك وتفتقده للأبد، لقد كرهتُ الكرة والرياضة، لا أستطيع الذهاب للملعب فذكراه تلاحقني، تعرّضتُ لجلطة دماغية قهراً على أخي وأصابني داء السكري”.

مضايقات مستمرَّة للعائلة

إعدام واعتقال لم يشف غليل جلاد العائلة، فالمضايقات كانت مستمرة، والاعتقالات كانت تلاحق الأخوة باستمرار، اعتُقل صالح عدة مرّات بتهم مختلفة، وخضع لما يقارب 35 دورة شرعية (يخضع المعتقلون لدورات شرعية، مدة كل دورة عشرة أيام يتم فيها تعليم المعتقلين دروس القرآن ومبادئ الدين الإسلامي، وهي دورات إجبارية)، بعدها طُردت العائلة بأكملها من المدينة للريف، وتعرض صالح لجملة من الاعتقالات والتحقيق من قبل أمير داعش سعودي الأصل مع التهديد بقطع الرأس إن استمر بالهروب من دوريات داعش.

ساحاتٌ وسط المدينة شهدت مقتل مئات الشبّان، عوائل عانت الكثير من ظلم داعش، في كل شارع قصة وفي كل بيت ألم وقهر.

يقول صالح: “أجبروا الأطفال الذين حضروا الإعدام على اللعب  برؤوس اللاعبين كَكُرةٍ”.