لا مساحة للحقد

لا مساحة للحقد
هي تعددية تشعُّ بألوان الحب وتحتضن وئامًا هادئًا يحلّق بالجميع في آفاق الألفة. هو ذلك العالم الوجداني الذي نفخه اللطف وأينعَ فيه السلام؛ التعايش الكردي-المسيحي.
رياح التشتيت العابرة
إنها ستينيات القرن المنصرم، يوم معتم موحش يحلُّ على قرية «سرمساخ تحتاني»: قوات الحكومة السورية تهاجم أهالي القرية لإجبارهم على توقيع صكوكٍ تنصُّ على التنازل عن مِلكية بيوتهم وأراضيهم لصالح مهجّري الغمر، وهم عربٌ غمرت الحكومة السورية أراضيهم على ضفاف الفرات ووطّنتهم في مناطق كردية على الحدود السورية-التركية. اعترض أهالي «سرمساخ» على مدِّ سياجات حول القرية تفرقها عن القرى المحيطة بها كقرية «سرمساخ فوقاني» وغيرها، وكان أن اعتقلت السلطات إثر ذلك ستةً من الأهالي وزجّت بهم في السجن. لكن السلطات ذاتها تراجعت آنذاك عن قرار التوطين بعد التكاتف الكردي-السرياني الذي لاقته هناك. كان التنازل عن صكوك المِلكية يعني تنازلًا عن ذكرياتهم المشتركة المتجذرة في الذاكرة الجمعية للأهالي، فذكرياتهم تختصر الوطن المشترك وتجمع أرواحهم المتآلفة في صورة أوسع من بيوتهم المتجاورة في القرية، وأعظم من أراضيهم الزراعية، وها هي تتجسّد في قلبٍ واحدٍ في وجه رياح التشتيت العابرة.
تطرّفٌ ألهبَ الكون حتى كاد يحوّله إلى كومة من الحطام، وتشدّدٌ خنقَ كل لغات العالم واختصرها في عين عاصفة العنف، وأخبارٌ عاجلةٌ تسيل دماء ضحايا جنون التطرّف على شرائطها الإخبارية، وتوحشٌّ يجثم على الصدور فيخنقها. إنها صورة العالم الذي يتلاشى ضجيجه الرهيب في كلام وديع إسكندر، المتحدّر من قرية «سرمساخ تحتاني»، غرب مدينة ديرك في أقصى شمال شرقي سوريا. يتحدث الرجل ووجهه ينبضُ بابتسامة شبيهة برداء يدفئ العالم بطمأنينته: «لا يغيّر اختلاف الدين في حياتنا نحن السريان مع جيراننا المسلمين، لم يغيّر ديننا تعاوننا في زراعة أراضينا ورعاية أغنامنا وإطعام دجاجاتنا.»
تعددية لغوية في «سرمساخ تحتاني»
يعيش أهالي «سرمساخ تحتاني» تفاصيل تعددية لغوية ودينية في انسجامٍ غلب عليه التوحد والتداخل حدًّا يصعب فيه التمييز بين المسيحي السرياني والكردي المسلم. إنه اختلاف هزمَ التطرّف وظلامه، وغرسَ التعددية اللغوية والدينية في وجه اللون الواحد الذي عملت الأنظمة السياسية المتعاقبة على إقامة جدرانه العالية وإطلاق أدخنة أسلحته المميتة ونفث خطاباته الكريهة التي أحيت الموت حتى كادت مفاهيم اختلاف الأديان واللغات تهوي في قاع التشدد وأغوار الألفاظ الحادة.
يقول «وديع» وهو يعدِّل ذؤابات عصابة رأسه: «سبعون عامًا قضيناها في هذه القرية مع خمس عائلات سريانية أخرى. نتكلّم الكردية منذ ولادتنا، وأتكلّم العربية أحيانًا مع ابني داني وزوجتي. اختلاف اللغة لا يغيّر من مساندتنا لبعضنا البعض إن حدث أمرٌ طارئ، فلغاتنا هي نوايانا.»
لغة الحب كونيّة. إنها تنتقل بالأحاسيس التي تصنع لغات يتقنها الجميع بطلاقة؛ لغةٌ ذات أبجدية ومعانٍ موحدة.
أعياد مشتركة
تحت خيمة تعايشهم، يجتمع أهالي «سرمساخ تحتاني» في السراء والضراء، ويحيون أعيادهم الدينية الأربعة كأنها عيد واحد. يحتفل مسيحيّو القرية مع مسلميها ويحيون طقوس الأعياد وتفاصيلها المختلفة. ذلك أنه اختلاف لا يغيّر في إخاءهم. يتحدث «وديع» بلطف: «اختلافنا في الدين جعلنا نتميّز عن غيرنا بأننا نحتفل بأربعة أعياد في السنة، نلوّن البيض سويًا في عيد الفصح، وأحيانًا أحدِّث نفسي بأن اختلاف تاريخ أعيادنا يزرع في داخلنا سرورًا خلال تكرارها في السنة الواحدة بعيدًا عن مشاغل الحياة القاسية وهجرة ثمانية من أبنائي إلى الدول الأوربية.»
الاختلاف لا يغيّر في الدين مودة
لم تتغيّر صورة المحبة وشكل الاختلاف في «سرمساخ تحتاني»، فقد ساهم ميخائيل، وهو أحد أبناء القرية، ببناء مسجد القرية حين جمع المال لتغطية نفقاتها، وبلغت تكلفتها حينها نحو مئة ألف ليرة سورية. يحتضن المسجد اليوم مناسبات العزاء أيضاً، حتى المسيحي جورج شمعون، وهو أحد سكان القرية، كان يقرأ القرآن في مراسيم دفن المسلمين، وأحياناً صلاتهم، ولم يشكّل هذا الاختلاف سدًّا بين أبناء القرية، ولم يعترض أحد سكان القرية على طبيعة هذه المشيئة الإلهية. وهنا، يتحدث «وديع» بسخطٍ غيّر ملامح وجهه الباسمة: «أتعجّب من المتشددين الذين يدعونَ إلى نشر القتل والتشريد في العالم بدافع الدين، فممارسة الدين وحب الله تعالى للجميع، واختلافنا في الأديان لن يغيّر علاقتنا الروحية مع الخالق.»
يعيش وديع إسكندر في «سرمساخ تحتاني» في طمأنينة وهدوء مع جيرانه السريان والكرد معًا. يعتني بتربية النحل، ويصنع زبيب العنب، ويقلّم أشجار الزيتون بعناية حتى موعد قطافها، شأنه في ذلك شأن بقية أهالي القرية. يتبادلون الخيرات حين تدّرُ الأرض عليهم بجودها، ويتساندون حين تحبس عنهم السماء غيثها. إنه التعدد الإسلامي-المسيحي الذي يمنح القرية بهاءها. الجميع منهمكون في أعمالهم اليومية، حيث لا وقت للكراهية، ولا مساحة للحقد. أما التطرّف والتباغض، فلهما مساحةٌ أخرى على الطرف الآخر من هذا العالم الهادئ، حيث ما يزال هناك متطرفون ينسجون خيمًا للاجئين، ومتشددون يرتبون مناديل دموع الوداع.