التلفاز.. فاكهة الاستئناس المحرّمة

 

 

سيماف حسن – أكرم صالح

الرقة

 

تتشابه أسطح منازل معظم المدن السورية، إذ لا سطح تقريبًا يخلو من أجهزة الاستقبال الفضائي (أطباق الدش) وخزانات المياه.

إلا أن الأمر اختلف في الرقة في عام 2015، إذ أصدر داعش قرارًا في كانون الأول/ديسمبر عنْونه بـ «منع أجهزة الاستقبال الفضائي»، يقضي بمنع «بيع أو تداول أو ترويج أو استعمال أو إصلاح أجهزة الاستقبال الفضائي في كامل أراضي الدولة الإسلامية» بهدف «عدم اتباع خطوات الشيطان».

أوصدَ داعش -بقراره هذا- نافذة أهالي الرقة على العالم، لتبقى الرفاهية الوحيدة المشروعة لهم في نظر التنظيم هي مشاهدة “الإصدارات” الدموية التي كان يبثّها لزرع الخوف في قلوب الناس.

 

“نحضر بالبوكة”

يجلس قتيبة شامان (29 عامًا) في مقهى شعبي مع أبناء عمومته وأصدقائه بزيّهم الشعبي ويتبادلون الدعابات حول أداء الفريق الذي عُرِفَ بمنافسته لفريقه المفضَّل. تتخلل هذه «الربعة» فواصل لعب ورق الشدّة بين الشوطين، إذ لا استراحة من أسباب الترفيه لديهم. بعد أن سُلِبت منه لسنوات وسيلتُه الوحيدة لمعرفة أخبار فريقه، وهو المتابع النّهم لفريق ريال مدريد الإسباني، والذي لم يفوّت مشاهدة مباراةٍ واحدة منذ العام 2006، وجدَ نفسه أيام فرض هذا القرار بلا حولٍ ولا قوّة.

بدأت شبكة من المهرّبين بتوفير أجهزة للاستقبال الفضائي خلال فترة منع التنظيم لها، ليحصل الشاب على أحدها ويعود لمتابعة المباريات، لكن هذه المرّة سرًا أو (بالبوكة) بحسب قتيبة.

لم يخلو الأمر من الخطورة، إذ أن عقوبة مشاهدة التلفاز أو أي دلالة على تشجيع فريق رياضي كانت تبدأ من السجن والجلد لتصل إلى شتى أنواع التعذيب، وهو ما حصل مع ابن عم قتيبة الذي خرجَ بقميص فريقه المفضَّل من شدّة حماسه لفوزه، ليواجه عقوبة السجن لمدة أسبوع ومائة جَلدة.

 

حظر للحكام وقصاص للمصابين

رغم منع متابعة المباريات التلفزيونية، كان عناصر داعش، وخاصةً المهاجرين منهم، ينظِّمون مباريات يلعبون فيها ضدَّ عناصر آخرين من التنظيم نفسه، بحسب سكان من الرقة.

إلا أن هذه المباريات كانت تخضع لقواعد خاصة، إذ قال المرصد السوري لحقوق الإنسان إن التنظيم وضع قواعد جديدة لكرة القدم في ريف دير الزور الشرقي، لأنها تحتكم إلى أحكام وضعيّة سنَّها الاتحاد الدولي لكرة القدم، ولا تستندُ إلى أساس وحكم «شرعي» وكان أوّلها حظر الحكّام.

كما تمَّ إدخال نظام «القصاص» فيما يتعلق باللاعبين المصابين، بحيث يُسمَح للاعب المصاب بالانتقام أو المطالبة بالتعويض.

فيما أعدمت داعش سبعة لاعبين من فريق نادي الشباب بالرقة ميدانيًّا بقطع رؤوسهم بالقرب من دوّار الدلّة، بتهمة «اللعب مع النصيرية».

 

“بسبب صحن دش، خسرت رجلي”

لم تمضِ أيام منع أجهزة الاستقبال الفضائي على حميد مانع (40 عامًا) وهو أبٌ لثمانية أطفال، كغيره، إذ كان خاضعًا أيام هذا القرار لعملية تجريف للعظم في قدمه، ولم يستطع الالتزام بقرار إزالة “الدش”، فسُجِن لـ (29) يومًا مع التعذيب.

كان التنظيم يصادر هويّات المدنيين أثناء دفعهم لفاتورة الكهرباء أو المياه، ولا يعيدها إلا بتسليم الدش، وكان الأهالي يتلقون حينها ورقةً تفيدُ بأنهم قد التزموا بتسليمه.

تم اقتياد حميد من بيته في التاسعة مساءً، من قبل عنصرين، بعد مضي سبعة أيام على عمليته الجراحية، يقول: «أخذوني إلى المصرف الزراعي عند دوّار البرازي».

كان دوّار البرازي أحد شواهد التعذيب وقطع وتعليق رؤوس كل من خالف قوانين التنظيم، وكان سجن المصرف الزراعي القريب منه مخصصًا لاحتجاز المخالفين لقواعد التنظيم.

لم تتحمّل القَدم المعالَجة حديثًا شدّة التعذيب المستمر الذي تعرّض له حميد، ففقد قدمه وفقد معها عمله الذي كان مصدر دخل بيته الوحيد. يقول متحسّرًا: «خسرت رجلي بسبب صحن دش»

 

الأخضر الإبراهيمي

تعرّض حميد للضرب على قدمه التي كان قد عالجها حديثًا. يقول عن تلك الأيام: «كان التعذيب يومياً من قبل عنصرين هما أبو خالد وأبو موحِّد الله. أعرفهما جيدًا؛ أحدهما من إدلب والآخر سفراني. كانا يضربانني بالأخضر الإبراهيمي» ويدلُّ هذا الاسم على أنابيب بلاستيكية خضراء تُستخدَمُ لتوصيل المياه من الخزّانات إلى الأنابيب.

كنوعٍ من السخرية والاستهزاء بالمبعوثين الدوليين، تحوّل اسم مبعوث الأمم المتحدة لسوريا (الأخضر الإبراهيمي) إلى اسم وسيلة تعذيب في سجون الحكومة السورية، واعتمد داعش طريقة التعذيب نفسها، لتصل لاحقًا إلى سجون فصائل المعارضة المسلّحة.

 

التلفاز.. الفاكهة المحرّمة

«كانت آخر مرحلة من التعذيب حين داس أبو موحِّد الله على رأسي، أما أبو خالد فمات بضربة طيران»، يقول حميد ويضيف أنه أُفرِجَ عنه بعد حضور لجنة استمعت إلى التهم الموجَّهة إليه وفرضت عليه غرامةً بـ (150) ألف ليرة سورية.

منذ تلك الحادثة، لم يستطع حميد أن يؤمِّن لعائلته تكاليف شراء صحنٍ جديد؛ إذ صودِرت فاكهة الاستئناس في بيته مرتين: مرةً من قِبل التنظيم، وأخرى تحت وطأة ظروف معيشته السيئة التي تسبَّبَ بها التنظيم.